دليل طرابزون

في مدينة طرابزون الواقعة على البحر الأسود، يمكن الشعور بطاقة نابضة تنبع من كل زاوية في مركز المدينة؛ من الأرصفة المملوءة برائحة البحر، ومن منطقة الميناء النشطة، ومن حجارة الأسوار التاريخية التي تحمل آثار الزمن. كما تمتد هذه الروح الحيوية إلى مطاعم اللحم والمأكولات المحلية مثل اللحم بالعجين (اللاهماجون)، حيث تتداخل الروائح مع صخب المدينة وحركتها المستمرة. وبين هذا النشاط الحديث، تختبئ أيضًا شواهد تاريخية قديمة مغطاة بالطحالب تروي قصصًا طويلة عن ماضي المدينة، مما يجعل الزائر ينغمس في حكايات الأباطرة البيزنطيين والتجار الجنويين والقادة الرومان.

غالبًا ما ينصح المرشدون السياحيون في طرابزون ببدء الجولة بزيارة متحف طرابزون الذي يقدم لمحة مختصرة وغنية عن تاريخ المدينة، أو التوجه إلى متحف آيا صوفيا الذي يعد مدخلًا رائعًا للتعرف على روح المدينة. وبعد ذلك، يمكن التوجه إلى شوارع أوزون سوكاك وحديقة ميدان بارك حيث تمتزج رائحة السمك المشوي والكفتة مع ازدحام الناس وحيوية المكان.

كما تُعرف طرابزون بأنها بوابة إلى عموم ولاية طرابزون وساحل البحر الأسود التركي، حيث تضم العديد من المعالم المميزة مثل الطرق التاريخية القديمة لطريق الحرير، ودير سوميلا المذهل المبني على منحدرات الجبال الشاهقة، والذي يعد من أهم الوجهات السياحية التي لا بد من زيارتها.

وتعكس الحرف اليدوية في طرابزون تراثًا ثقافيًا غنيًا تشكل عبر قرون طويلة، حيث تُعد صناعة الفضة خاصة فن “التل كاري” و“الكازازية” من أبرز الحرف التقليدية، إلى جانب فنون نحت الخشب والأقمشة المنسوجة يدويًا وشالات العرائس التي تمثل رمزًا ثقافيًا مهمًا للمنطقة.

تاريخ طرابزون

تاريخ طرابزون

تُعد أقدم مصدر يقدّم معلومات عن مدينة طرابزون والمناطق المحيطة بها هو كتاب “أناباسيس” لزينوفون. في هذا العمل يصف زينوفون كيف أن أرتحششتا الثاني تمرّد ضد أخيه بعد وفاة والده داريوس، وهو ما أدى إلى صراع على عرش الإمبراطورية الفارسية. ويذكر زينوفون أنه خرج مع جيش من المرتزقة من مدينة سارديس (ساليهلي حالياً)، وواجه جيش الإمبراطور في معركة كوناكسا قرب بابل. انتهت المعركة بهزيمة جيش الإمبراطور ومقتله، ثم بدأ انسحاب جيش يضم نحو عشرة آلاف جندي يوناني مرتزق يُعرفون بـ“العشرة آلاف”. سار هذا الجيش عبر شرق الأناضول من الجنوب إلى الشمال بهدف الوصول إلى ساحل البحر الأسود والعودة منه إلى موطنهم. وكان زينوفون نفسه من بين هؤلاء الجنود، وقد وصف بالتفصيل المناطق التي مروا بها والشعوب التي سكنت تلك المناطق. مرّ “العشرة آلاف” بمنطقة شمال أرضروم التي تُعرف في المصادر العثمانية باسم “تاف إيلي”، وهي أرض الطاوخيين، ثم وصلوا إلى بلاد الكَلايبس، وهم من أكثر الشعوب المحاربة في المنطقة، مما دفع الجيش إلى تجنب النهب والاكتفاء بالغنائم التي حصلوا عليها سابقًا من الطاوخيين. بعد ذلك اجتاز الجيش نهر هاربوصوس (تشوروه حاليًا) ووصل إلى أراضي السكيثيين، حيث تمكنوا من التزود بالطعام من القرى. ثم اتجهوا نحو مدينة “غيمنياس” (بايبورت حالياً أو بالقرب منها). قدّم حاكم المدينة دليلاً أرشدهم عبر مناطق معادية، وأخبرهم أنه سيقودهم خلال خمسة أيام إلى البحر. وعند وصولهم إلى جبل “ثيخِس” (مادور)، صعد الجنود الأوائل ورأوا البحر لأول مرة، فصرخوا: “البحر! البحر!”، مما أدخل الفرح إلى الجيش كله. يصف زينوفون هذا الحدث بأنه لحظة عظيمة، حيث اجتمع الجنود احتفالًا ووضعوا أكوامًا من الحجارة تعبيرًا عن فرحتهم. ثم واصل الجيش طريقه نحو الساحل. بعد ذلك دخلوا أراضي المكرون، ثم الكولخيين، وحدثت بينهم مواجهات متعددة. كما أصيب الجنود بالتسمم بسبب تناول عسل نبات “الرودودندرون” السام، مما تسبب في حالات إغماء ووفاة بعضهم. لاحقًا وصل الجيش إلى مدينة طرابزون (ترابيزوس)، التي كانت مستعمرة يونانية تابعة لمدينة سينوب، وتقع على البحر الأسود. وبقوا هناك نحو ثلاثين يومًا للحصول على المؤن. ثم واصلوا رحلتهم إلى غيرسون (كيراسوس)، وبعدها إلى أوردو، حيث واجهوا شعوب الموسينويك والكالِيبس والتِبارينويين، وهي شعوب عاشت في مناطق جبلية وساحلية من البحر الأسود. كانت هذه الشعوب تعتمد على الزراعة وتربية المواشي، كما كانت تنتج النبيذ وتستخدم زيت السمك، وتستهلك المكسرات مثل البندق والجوز والكستناء. كما عُرفت باستخدام العسل، رغم أن بعضه كان سامًا. يذكر زينوفون أن هذه المناطق كانت تحتوي على مستوطنات يونانية على ساحل البحر الأسود، مثل طرابزون وكرسوس وأوردو، وكانت هذه المستوطنات مراكز للتجارة والدفاع في آنٍ واحد. العناوين: مملكة البنطس الفترة الرومانية الفترة البيزنطية طرابزون والعثمانيون

اقرأ المزيد
أطلال سانتا

أطلال سانتا

Santa Ruins is a significant archaeological site located in the Gumushane Province of Turkey, known for its rich historical and ...

اقرأ المزيد
دير سوميلا

دير سوميلا

دير سوميلا تأسس تكريمًا للسيدة العذراء مريم (باناغيا)، وهو يُعد من أهم الأديرة في الأناضول. يُعتقد أن اسم الدير مشتق من كلمة “مِلا” التي تعني “الأسود” أو “المظلم” في اللغة اليونانية، وذلك لأن الدير بُني حول كهف طبيعي على منحدر شديد الانحدار في جبل كاراداغ (الجبل الأسود). وفقًا للأسطورة المرتبطة بتأسيسه، ظهرت السيدة العذراء في أحلام كاهنين من أثينا يُدعيان بارناباس وصوفرونيوس في القرن الرابع الميلادي، وأخبرتهما بأن يجدا أيقونتها التي رسمها القديس لوقا، وأن عليهما اتباع الطريق الذي سترشدهم إليه للوصول إلى جبل “ميلا”. وبحسب الرواية، وصل القديسان إلى المنطقة بعد رحلة طويلة، ووجدا الأيقونة داخل كهف، فقاموا ببناء الدير في ذلك المكان. في القرن السادس الميلادي، تم توسيع الدير على يد القائد بيليساريوس بأمر من الإمبراطور جستنيان الأول، لكنه تعرض للنهب عدة مرات في القرن السابع على يد اللصوص. وفي الفترة نفسها، أعاد القديس كريستوفر ترميمه واستعادته إلى مجده السابق بشكل معجز. ازدادت أهمية دير سوميلا خلال إمبراطورية طرابزون (1204)، حيث شهد أعمال بناء وتطوير مهمة، خاصة في عهد الإمبراطور ألكسيوس كومنينوس الثالث. كما منح السلاطين العثمانيون الدير امتيازات وهدايا، وتمت توسعات وترميمات كبيرة خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، ما منحه شكله الحالي. أصبح الدير وجهة مهمة للرحّالة والباحثين في منطقة البحر الأسود، وتم إخلاؤه خلال تبادل السكان بين تركيا واليونان وفقًا لمعاهدة لوزان عام 1923. واليوم يُستخدم كمتحف أثري مفتوح للزوار. في القرن التاسع عشر كان الدير يضم مجتمعًا دينيًا كبيرًا. وكانت الكنيسة الرئيسية (الكاثوليكون) داخل الكهف الطبيعي، بالإضافة إلى: 10 كنائس صغيرة (مصليات) نبع مقدس (أياسما) برج جرس مكتبة مطبخ من طابقين نافورة مرافق إدارية وسكن للرهبان وغرف للضيوف يتميز الدير بوجود مدخل مع درجات عالية وجدران حماية، كما تظهر قنوات مائية في الواجهة الأمامية كانت تنقل المياه من ينابيع جنوبية إلى الساحة الداخلية. الكنيسة الصخرية في قلب الدير هي كهف طبيعي تم تعديله جزئيًا بإضافة جدران ومصليات مغطاة باللوحات الجدارية. هذه الجداريات تم تجديدها عبر فترات مختلفة، وتصور مشاهد مثل خلق العالم، وحياة المسيح والسيدة مريم، وأنبياء العهد القديم والقديسين. توجد معظم المصليات في الجزء الشمالي، وهي ذات صحن واحد، وتحتوي أيضًا على جداريات تعود في أغلبها إلى القرنين الثامن عشر والتاسع عشر. ويمكن في بعض الأماكن رؤية ثلاث طبقات زمنية مختلفة من الرسوم. أما المكتبة والبرج الجرس الشرقي فلم يصمدا حتى اليوم، لكن المخطوطات النادرة التي كانت تحتويها المكتبة محفوظة حاليًا في مسجد آيا صوفيا في إسطنبول. كما أن القسم الشرقي من الدير يتكون من 72 غرفة ذات شرفات ونُقُر جدارية ومواقد داخلية، مما يعكس طابعه المعماري المميز.

اقرأ المزيد
الثقافة في طرابزون

الثقافة في طرابزون

طرابزون مدينة ذات طابع تقليدي عريق. تُعدّ رقصاتها الشعبية المعروفة باسم “الهورون” (Horon) من أبرز عناصر الثقافة المحلية، وهي تُؤدى من قبل الرجال والنساء، الصغار والكبار على حد سواء. يُرافق رقصة الهورون آلة موسيقية تقليدية تُسمى “الكمنجة” (Kemençe)، وهي نوع من الكمان الصغير ذو ثلاثة أوتار، وغالبًا ما تُضاف إليها الطبول والأبواق ومزامير الرعاة. تلعب مهرجانات المراعي الجبلية دورًا مهمًا في الفلكلور المحلي، حيث تُقام سنويًا في المراعي الجبلية الممتدة على شكل سلسلة في المرتفعات. يصل الناس مع مواشيهم من الأبقار والأغنام، ويبدأون الاحتفالات بإقامة وليمة كبيرة تُعرف باسم “شُولَن” (مأدبة). ويشارك الجميع تقريبًا في رقصة الهورون على أنغام الكمنجة، بينما ترتدي النساء أزياء محلية ملونة، وتُزيَّن الحيوانات بشكل لافت وجميل. تتميز الأغاني الشعبية في طرابزون بتنوع موضوعاتها، حيث تعكس طباع الناس وأسلوب حياتهم وبنيتهم الاجتماعية والجغرافية. وتتناول موضوعات مثل الحب والفراق وجمال الطبيعة والأحداث الاجتماعية، وتُؤدى بنوعيها السريع والبطيء المعروف بـ “أوزون هوا”. كما يوجد نوع آخر شائع يُعرف بـ “الأتِشْمَه” (Atışma) وهو نوع من المبارزة الشعرية أو الحوار الغنائي. شهدت طرابزون أيضًا تطورًا ثقافيًا مبكرًا، إذ طُبعت فيها إحدى أولى الصحف التركية باسم “طرابزون” عام 1866، مما يعكس مستوى الحياة الثقافية والإعلامية في المنطقة. كما يحظى المسرح بأهمية كبيرة، حيث تنتشر الفرق المسرحية الشعبية والهواة. تعتمد المأكولات التقليدية في طرابزون بشكل كبير على سمك الأنشوفة (الهَمسي)، بالإضافة إلى أطباق محلية مثل: شوربة الكرنب الأسود “كويماك” (خليط من دقيق الذرة والجبن والزبدة) “البيدا” (خبز محلي) كفتة أكشابات إلى جانب الزبدة والخبز التقليدي. وتشتهر طرابزون أيضًا بحرفها اليدوية المصنوعة من مواد طبيعية محلية. فقد كانت من أهم مراكز تعدين النحاس في الدولة العثمانية، وما زالت تشتهر بالأواني النحاسية مثل القدور والإباريق والأوعية. كما تُعرف بصناعة الأساور الفضية المزخرفة بأسلاك دقيقة تُسمى “الحِسير”، إضافة إلى فن التلّكاري في تشكيل الفضة. كما تُصنع الأدوات الخشبية الزراعية والمنزلية، والسجاد (كيليم)، والأقمشة التقليدية مثل “البشتمل”، والحقائب، والجوارب الصوفية الملونة، وحبال النقل. ويُستخدم الخشب بكثرة في هذه المنطقة الغنية بالغابات، سواء في الأثاث أو الأدوات المنزلية أو أدوات صناعة الجبن. أما من الناحية المعمارية، فتتميز طرابزون بطراز خاص يتكيف مع المناخ الجبلي الممطر. ومن أبرز المناطق التاريخية: أورتاهيسار في طرابزون أورطه محلة في أكشابات مناطق أراكلي وسورمنه تُبنى البيوت عادة من الحجر والخشب، وغالبًا ما تكون من طابقين، مع أسقف مبلطة وحواف واسعة لحماية المباني من الأمطار الغزيرة. وتتميز المنازل بزخارف خشبية داخلية عالية الحرفية، كما تحيط بها حدائق واسعة مزروعة بالأشجار والفواكه والنباتات الزينة، مما يمنحها طابعًا جماليًا متناسقًا مع الطبيعة المحيطة.

اقرأ المزيد
الهضاب في طرابزون

الهضاب في طرابزون

هضبة مادور (Madur Plateau) جبل مادور هو أعلى جبل في منطقة كوبرولوباشي التابعة لطرابزون بارتفاع يصل إلى 2742 مترًا. يحيط بالجبل عدد من الهضاب مثل هضبة كوشك، وهضبة سولاك، وهضبة كالجيك. كما يوجد جبل بولوت القريب الذي يزيد ارتفاعه بحوالي 70 مترًا عن مادور. تتميز المنطقة بتضاريس صخرية ورطبة وأنهار جارية وصخور مرتفعة مفاجئة تمنحها طابعًا طبيعيًا فريدًا. هضبة هاتشكا (Haçka Plateau) تُعد هضبة هاتشكا من أجمل مناطق طرابزون، وتقع على بعد حوالي 70 كم من مركز المدينة. تشتهر بجمالها الطبيعي وغابات الصنوبر المحيطة بها، حيث يمكن للزائر أثناء التجول سماع أصوات الطيور والشعور بنسيم الجبال العليل. تُعد وجهة مثالية للسياحة الريفية، حيث يمكن ممارسة المشي في الطبيعة، والتخييم، وصيد الأسماك، والتصوير. بحيرة هاتشكا: من أجمل أماكن الهضبة وتتميز بمناظر طبيعية خلابة. شلال هاتشكا: يتميز بمياهه الصافية وجماله الطبيعي. قرية هاتشكا: مكان مناسب لاكتشاف نمط الحياة الريفي والثقافة المحلية. هضبة سلطان مراد (Sultan Murat Plateau) تقع في منطقة تشايكارا على ارتفاع حوالي 2200 متر فوق سطح البحر، وتبعد 25 كم عن مركز المنطقة. تُعد من أشهر الهضاب في طرابزون، ويزورها آلاف الأشخاص سنويًا. تحمل الهضبة اسم السلطان مراد الرابع الذي أقام فيها أثناء حملته على إيران عام 1635 وأدى صلاة الجمعة مع جيشه هناك. كما تضم منطقة تذكارية لشهداء الحرب العالمية الأولى على بعد 1.5 كم من الهضبة، حيث يوجد قبر لضابط و70 جنديًا، وتُعرف المنطقة باسم “تلة الشهداء”. كما تحتوي على خنادق تعود لتلك الحرب. مهرجانات سلطان مراد: تُقام سنويًا في 20 أغسطس بمشاركة واسعة من المدن المجاورة، وتشمل فعاليات ثقافية وألعابًا تقليدية. المشي في الطبيعة: توفر الهضبة أجواء غنية بالأوكسجين ومسارات جميلة للمشي، بالإضافة إلى مطاعم تقدم الأطعمة المحلية. هضبة هيديرنبي (Hıdırnebi Plateau) تقع في منطقة أكشابات على بعد 40 كم من مركز طرابزون و29 كم من مركز أكشابات، وتُعد من المناطق المرتفعة الجميلة ذات الطبيعة الهادئة. هضبة قادرغا (Kadırga Plateau) تقع على حدود طرابزون مع محافظة غوموشهانه، في قرية سومي بمنطقة كورتون، وتبعد حوالي 90 كم عن المركز. تحتوي على متاجر ومطاعم وخدمات أساسية للزوار. هضبة كاياباشي (Kayabaşı Plateau) تقع في منطقة تونيّا على ارتفاع يقارب 2000 متر، وتُعد من أجمل المناطق الطبيعية في طرابزون. تتميز بجمالها الأخضر وطبيعتها الهادئة وهي وجهة مفضلة لمحبي الاسترخاء في الجبال. هضبة قاديرالاَك (Kadıralak Plateau) تقع في منطقة تونيّا على بعد 9 كم من مركز المنطقة وعلى ارتفاع 1300 متر. تشتهر بزهور “النجم الأزرق” التي تتفتح في شهر أبريل، وهي محمية وفق اتفاقية برن الدولية. تُعد الهضبة مقصدًا سياحيًا مهمًا بفضل مناظرها الطبيعية، ويمكن الوصول إليها بسهولة سواء بالسيارة الخاصة أو عبر الجولات السياحية، وتبعد حوالي 83 كم عن مركز طرابزون.

اقرأ المزيد